شارك د. محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، اليوم بمركز الأزهر للمؤتمرات، في المؤتمر الطلابي الثاني الذي نظَّمته كليَّة الدراسات الإسلاميَّة والعربيَّة للبنين بجامعة الأزهر في القاهرة بالتعاون مع المجمع، تحت عنوان: "القِيَم الإسلاميَّة في واقع طلاب الجامعات"، برعاية كريمة من الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
وبحضور لفيف من قيادات الأزهر وعلمائه، وباحثيه وطلابه، وذلك على هامش المؤتمر السابع للكليَّة "القِيَم الإسلاميَّة وبناء المجتمع بين النظريَّة والتطبيق"، ووجَّه الدكتور محمد الجندي، حديثه إلى الطلاب، مؤكِّدًا أنَّ الحديث عن القيم هو حديث عن أساس بقاء الأمم وإستقرارها، مشيرًا إلى أنَّ الحضارات لا تسقط لنقص الموارد، وإنما تسقط حين ينهار بنيان القيم ويغيب الضمير.
وأوضح "الجندي" أنَّ الأزهر الشريف رسَّخ عبر تاريخه وعيًا قيميًّا محصنًا يقوم على أنَّ القيم ضرورة وجوديَّة، وأنَّ حفظ الدِّين والأخلاق والعقول والأنفُس والأموال هو الضمان الحقيقي لبقاء المجتمع، محذِّرًا من مظاهر الإنحراف السلوكي، والتقليد الأعمى، والإنجراف وراء السلوكيَّات الهدَّامة التي تُفقد الإنسان إتزانه وهُويَّته.
وأكَّد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، أنَّ القيم في حقيقتها هي منظومة متكاملة تضبط السلوك، وتوجِّه الإختيارات، وتحدد عَلاقة الإنسان بربِّه ونفسه ومجتمعه، مبيِّنًا أنَّ الأزمة الكبرى التي تواجه المجتمعات اليوم هي الفجوة بين ما يُقال من قيم وما يُمارَس في الواقع.
وأشار إلى أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في تعريف القيم أو التنظير لها، بل في تحويلها إلى ممارسة يوميَّة، موضِّحًا أنَّ بقاء القيم في إطارها النظري دون تطبيق يحوِّلها إلى صورة من صور النفاق الإجتماعي، والذي يهدم المجتمعات ولا يبنيها، مستشهدًا بجملة من القيم القرآنيَّة التي تمثِّل أساس البناء المجتمعي، كتحقيق العدل، والوفاء بالعهد، والأمانة، والصدق، والإحسان.
ولفت إلى أنَّ القيمة إذا لم تتحوَّل إلى سلوك عملي مدعوم بالقدوة، فإنها تفقد تأثيرها، مشدِّدًا على أنَّ بناء مجتمع قيمي متماسك يتطلَّب ترسيخ الفهم العميق لمعاني القيم، وتحويلها إلى نُظُم حياتيَّة، وصناعة القدوة الصالحة التي تُجسِّد هذه القيم في الواقع.
وتابع أنَّ النموذج الإسلامي قدَّم تجرِبةً فريدةً في الجمع بين النظريَّة والتطبيق، إذْ تحوَّلت القيم فيه إلى واقع حي انعكس في سلوك الأفراد وبناء المجتمعات، فقام على أسس من التسامح والمحبَّة والسلام، وروح من الرحمة والتكامل، ومنهج من الإحسان والعمران.
وشدَّد "الجندي"، على أنَّ بناء الأوطان لا يتحقَّق إلا ببناء الإنسان القيمي، لأنَّ الإنسان هو صانع الحضارة وموجِّه الموارد، مؤكِّدًا أنَّ القيم شرط لبقاء الحياة، وأنَّ صلاحها يؤدِّي إلى صلاح المجتمع كلِّه، وفسادَها ينعكس على جميع مناحي الحياة.
ودعا "الجندي"، إلى ضرورة سدِّ الفجوة بين النظريَّة والتطبيق، وإحياء القدوة الحسنة في المجتمع، منبِّهًا إلى عدم الإنسياق خلف نماذج زائفة تُروَّج على أنها بطولات، بينما هي في حقيقتها هدم للقيم.
واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، كلمته بتوجيه مجموعة من الوصايا المستمدَّة من تراث علماء الأمَّة، مؤكدًا أنَّ العلم لا قيمة له دون عمل، وأنَّ القيم لا تُثمر إلا إذا ارتبطت بالإخلاص والمحبَّة لله، وأنَّ التربية الحقيقيَّة تقوم على الرعاية المستمرَّة والتوجيه الواعي حتى تؤتي ثمارها، داعيًا الله أن يجعل القيم حيَّةً في القلوب، وحاضرةً في السلوك، وهاديةً في بناء المجتمعات.



